د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة 28 أكتوبر 2026
الشرق الأوسط بين فرصة السلام وكارثة الحرب الطويلة..
د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة 01 نوفمبر 2026
الجزيرة بعد ثلاثين عاماً: صعود الوعي في زمن الانكسار العربي
رأي العرب 28 أكتوبر 2026
تعزيز أمن الطاقة العالمي
رأي العرب 01 نوفمبر 2026
الجزيرة.. 30 عاماً من بناء الوعي

الجزيرة بعد ثلاثين عاماً: صعود الوعي في زمن الانكسار العربي

01 نوفمبر 2026 , 12:30ص

لم تكن مأساة العالم العربي خلال العقود الثلاثة الماضية أنه خسر معارك سياسية وعسكرية فحسب، بل إنه كاد يخسر حقه في رواية ما حدث له. كانت الحروب تدور على أرضه، والقرارات تُتخذ بشأن مستقبله، بينما تتولى مؤسسات خارجية تفسير أزماته وصياغة صورته في الوعي العالمي.  وسط هذا المشهد المأزوم، وفي خضم صراع محتدم على احتكار الخبر وتشكيل وعي الرأي العام العربي والدولي، حين انطلقت الجزيرة من الدوحة عام 1996، لم تكن مجرد قناة تلفزيونية جديدة تنضم إلى فضاء إعلامي مكتظ، بل كانت إعلاناً عن مواجهة فكرية وسياسية أعمق، تتصل بحرية التعبير، واستعادة الوعي بالذات، وانتزاع الحق في إنتاج الرواية من سلطات اعتادت احتكار الحقيقة، ومن مؤسسات إعلامية غربية طالما امتلكت سلطة تعريف قضايا العرب والمسلمين أمام العالم، وإعادة تشكيل صورتهم وفق تصوراتها ومصالحها وانحيازاتها. لم تكن المعركة، في جوهرها، حول من يسبق إلى نقل الخبر، بل حول من يمتلك سلطة تفسير الأحداث، وتحديد معانيها، وصياغة الذاكرة الجماعية للشعوب.
بعد ثلاثة عقود حافلة بالصراعات والتحولات والانكسارات، تبرز مفارقة تاريخية يصعب تجاهلها، فقد استطاعت الجزيرة أن تتحول إلى شبكة إعلامية احترافية تنافس عالمياً، في وقت تراجعت فيه قدرة العالم العربي على الفعل السياسي والتأثير في مصيره. 

الحرية حين تتراجع سلطة الرواية الرسمية
عندما ظهرت الجزيرة، لم يكن الإعلام العربي يفتقر إلى الشاشات، بل إلى طرح الأسئلة والحوار والمناقشة. كانت نشرات الأخبار امتداداً للخطاب الرسمي، وكانت الحقيقة تُقدم باعتبارها ملكية للسلطة، لا حقاً عاماً للمواطن. جاء التحول حين أصبح المسؤول يواجه منتقديه، والمعارضة تنازع الرواية الرسمية، والقضايا المسكوت عنها تدخل المجال العام. لم تكن الثورة في الاستوديو، بل في الاعتراف بأن الحقيقة لا يملكها طرف واحد. غير أن الحرية الإعلامية كشفت حدودها سريعاً. فقد أصبح المواطن قادراً على مشاهدة تناقضات السلطة، دون أن يمتلك بالضرورة أدوات محاسبتها. اتسعت مساحة الكلام بينما بقيت مؤسسات المشاركة السياسية عاجزة عن استيعاب المطالب الجديدة. ولذلك لا يصح تصوير نجاح الجزيرة بوصفه انتصاراً كاملاً للحرية العربية؛ لقد كسرت جانباً من احتكار الخطاب، لكنها لم تستطع كسر البنى التي تعيد إنتاج الاستبداد والانقسام.
وهذا التناقض لا يخص الإعلام وحده. فالمجتمعات التي تتعلم مساءلة الخطاب الرسمي تحتاج أيضاً إلى مدارس وجامعات وقضاء ومؤسسات تمثيلية تسمح بتحويل الوعي والمعرفة إلى مسؤولية. وإلا أصبحت حرية المشاهدة تعويضاً نفسياً عن غياب حرية المشاركة، وتحولت نشرات الأخبار إلى سجل يومي للخيبات. إن أخطر ما يواجه المنطقة ليس أن تُحجب عنها الحقيقة، بل أن تصبح الحقيقة معروفة للجميع، ثم تُعامل كأنها عاجزة عن إلزام أحد بالفعل أو المساءلة أو التغيير.

من الخبر إلى الصوت المهمش 
أثبتت الجزيرة أن بناء الذات العربية ليس مشروعاً خطابياً أو استدعاءً للماضي، بل قدرة على تأسيس مؤسسة تمتلك الكفاءات والتكنولوجيا والاستمرارية والرؤية. فالفرق هائل بين شراء وسائل الإعلام وبناء مؤسسة تنتج المعرفة وتنافس في صياغة الأجندة الدولية. وقد تحولت الجزيرة العربية إلى مساحة مشتركة يتابع عبرها جمهور واسع أحداث المنطقة، رغم تباين المواقف والانتماءات. 
لكن هذا النجاح يطرح سؤالاً أكثر إزعاجاً من الاحتفاء به، لماذا استطاع العرب بناء مؤسسة إعلامية عابرة للحدود، بينما تعثرت مشروعاتهم المشتركة في العلم والتعليم والأمن والتكامل السياسي؟ المشكلة ليست دائماً في ندرة الموارد، بل في العجز عن تحويلها إلى مؤسسات مستقلة، قادرة على تجاوز الأشخاص والأزمات. 
من أهم أدوار الجزيرة توسيع المجال أمام أصوات ظلت بعيدة عن مركز الخبر، اللاجئون والنازحون وضحايا الحروب وسكان المدن المنسية. لم يعد الإنسان مجرد رقم في حصيلة القتلى، أو خلفية صامتة لتصريحات السياسيين؛ صار يروي خوفه وخسارته وأمله بلغته الخاصة. من بغداد إلى أفغانستان، إلى غزة، ومن سوريا إلى السودان واليمن إلى ليبيا ولبنان، اكتسبت الشهادة الفردية مكاناً داخل الرواية العامة.
لكن إعطاء صوت للمهمشين لا يعني تحويل معاناتهم إلى مشاهد عاطفية قابلة للاستهلاك. فكرامة الضحية لا تُستعاد بمجرد تصوير دموعها، بل بالاعتراف بأنها صاحبة رأي وذاكرة ومصلحة وحق في الاختلاف. والصحافة التي تدافع عن الإنسان مطالبة بأن تتجنب اختزاله في صورة الضحية الأبدية؛ فالمهمش ليس م��دة لتأكيد قناعة المحرر، بل شريك في تفسير العالم.

الجزيرة الإنجليزية مقابل المركزية الغربية
ومع إطلاق الجزيرة الإنجليزية عام 2006، تجاوز المشروع حدوده العربية ليدخل قلب المنافسة على تشكيل الوعي العالمي. لم يكن التحول مجرد انتقال من لغة إلى أخرى، أو محاولة للوصول إلى جمهور أوسع، بل كان تحدياً لبنية إعلامية دولية احتكرت، لعقود، سلطة تعريف الأحداث وتفسير الحروب وتصنيف الضحايا، وتحديد أي المآسي تستحق أن تُروى وأيها يُترك على هامش الاهتمام. فقد أسهمت قطاعات من الإعلام الغربي، خصوصاً بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر والحروب التي أعقبتها، في تكريس صور نمطية اختزلت العرب والمسلمين في مفردات الإرهاب والتطرف والتهديد الأمني، وإن لم تخلُ المؤسسات الغربية نفسها من أصوات نقدية قاومت هذه الاختزالات وكشفت انحيازاتها.
جاءت الجزيرة الإنجليزية لتكسر احتكاراً أعمق من احتكار الخبر؛ احتكار المعنى ذاته، ولتفتح المجال أمام مجتمعات الجنوب العالمي التي طالما تحدث الآخرون باسمها، كي تصبح شريكاً في تفسير واقعها وصياغة روايتها. وهكذا، لم تكن منافستها مع مؤسسات عريقة مثل «بي بي سي» و«سي إن إن» مجرد صراع على نسب المشاهدة أو النفوذ الإعلامي، بل مواجهة حول من يمتلك حق تعريف العالم للعالم. غير أن القيمة الفكرية والأخلاقية لهذا التحول لا تكمن في استبدال مركزية غربية بمركزية عربية مضادة، أو مواجهة انحياز بانحياز آخر، بل في تفكيك فكرة احتكار الحقيقة نفسها. فحرية الرواية لا تتحقق عندما تنتقل سلطة الكلام من طرف إلى آخر، وإنما عندما يفقد أي طرف امتياز الادعاء بأنه وحده يمتلك الحقيقة، وتصبح جميع الروايات، مهما كان مصدرها، خاضعة للمساءلة والتدقيق والإنصاف.

تحول الصحفي إلى جزء من المأساة 
دفعت الجزيرة ثمناً إنسانياً في مناطق النزاع، من قصف مكتبها في كابول، إلى مقتل طارق أيوب في بغداد، وشيرين أبو عاقلة في جنين، وعدد كبير من صحفيين ومصورين خلال الحرب على غزة. هناك لم يعد المراسل يقف خارج الحدث؛ صار يعيش النزوح والخوف والفقدان الذي يوثقه. وأصبحت الكاميرا أحياناً شاهداً على موت حاملها، لا على موت الآخرين وحدهم.
المفارقة الأكثر قسوة أن العالم يرى الدمار فور وقوعه، دون أن تتحول المعرفة بالضرورة إلى قرار يوقفه. لم تعد المشكلة دائماً في غياب الشهادة، بل في عجز السياسة عن الاستجابة لها. ومع ذلك، تظل الصحافة ضرورة أخلاقية: فهي تحفظ أسماء الضحايا، وتقاوم محو الذاكرة، وتمنع المنتصر من احتكار كتابة التاريخ.
واجهت الجزيرة إغلاق مكاتب وتقييد بث وضغوطاً سياسية، وبرزت المطالبة بإغلاقها وحتى استهدافها من 2003 إلى ما بعد الثورات العربية والأزمة الخليجية، ثم واجهت إجراءات إسرائيلية ضد عملياتها منذ عام 2024. ومع توسع مواقعها الإلكترونية وحضورها على منصات التواصل، إلى جانب مشاريع مثل AJ+ والجزيرة 360، لم يعد منع البث كافياً لإسكات الرواية.
لكن ��لانتقال الرقمي لم ينهِ معركة الحرية، بل نقل جزءاً منها إلى خوارزميات شركات التكنولوجيا، حيث تتحكم المنصات في الوصول والانتشار، وتكافئ الإثارة أحياناً على حساب الدقة. ومع الذكاء الاصطناعي، أصبح التحدي ألا تكتفي المؤسسة بسرعة نشر الصور، بل أن تثبت قدرتها على التحقق منها وحماية الجمهور من التضليل.

من استعادة الصوت إلى امتلاك المصير
لا ينبغي أن يتحول تاريخ الجزيرة إلى حصانة من النقد. فالمؤسسة التي ساهمت في مساءلة السلطات مطالبة بأن تقبل مساءلة علاقتها بالتمويل، والقرار التحريري، وشفافية تصحيحاتها. لقد ساعد الدعم القطري على بناء شبكة دولية، لكن الثقة المستدامة تحتاج ضمانات مؤسسية واضحة.
كذلك يفرض اختلاف الجمهور بين الجزيرة العربية والإنجليزية سؤالاً عن وحدة المعايير المهنية: هل تتغير طريقة السرد فقط، أم تتغير معها أحياناً معايير اختيار الوقائع وتوصيفها؟ والمطلوب مراجعة قابلة للفحص، تحمي الاختلاف المشروع دون السماح بازدواجية غير مبررة. أما تكريم الصحفيين الذين واجهوا الموت، فلا يغني عن تطوير الحماية والتأمين والدعم النفسي والمحاسبة الداخلية.
لقد نجحت الجزيرة في انتزاع الصوت العربي من هامش الرواية العالمية، وأثبتت أن العرب قادرون على بناء مؤسسات تنافس في صناعة الوعي، لا أن تكتفي باستهلاكه. ومنحت المهمشين حق الكلام بعد عقود من الصمت، وتحدت هيمنة السرديات الغربية وأجنداتها، مؤكدة أن الصور النمطية المتحيزة ضد العرب والمسلمين ليست حقيقة أبدية، بل تصورات صنعتها موازين القوة، ويمكن تفكيكها ومواجهتها.
غير أن المفارقة التاريخية الأكثر قسوة تكمن في أن العرب استطاعوا استعادة حقهم في رواية مآسيهم، دون أن يستعيدوا قدرتهم على منع وقوعها. وهنا يكمن التحدي الوجودي الذي يتجاوز الجزيرة نفسها: أن ينتقل العرب من موقع الشاهد على التاريخ إلى موقع الفاعل في صناعته، فليس الانتصار الحقيقي أن يسمع العالم حكايتنا، بل ألا نظل محكومين بإعادة رواية المأساة ذاتها.

الشرق الأوسط بين فرصة السلام وكارثة الحرب الطويلة..

لم تعد منطقة الشرق الأوسط وفي مقدمتها الخليج تواجه مجرد احتمال اندلاع حرب جديدة، بل تواجه خطراً أعمق يتمثل في تحول الحرب إلى حالة دائمة، تتخللها هدن قصيرة لا تعالج أسباب الصراع. لذلك وفي هذه...

الخليج في مواجهة استحقاق القوة والسيادة

لم تكن تصريحات توم باراك في منتدى الأمن العالمي بالدوحة مفاجئة، ولم تحمل اكتشافاً استراتيجياً جديداً؛ فإرهاصات التحول الأمريكي كانت واضحة منذ سنوات، وجاءت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لتكشف ما حاولت الخطابات الدبلوماسية طويلاً...

لا تجعلوا خلافاتنا سلاحًا في أيدي خصومنا

حين تصبح الكلمة خطرًا على الأوطان، وحين تتحول المنصات الاعلامية إلى ساحات لتصفية الحسابات بين أبناء البيت الخليجي الواحد، فإننا لا نكون أمام خلاف عابر في الرأي، بل أمام أزمة أعمق تتعلق بوعينا السياسي، ومسؤوليتنا...

عن الحرب والتفكيك والمشاريع الإقليمية

مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، تزداد أهمية قراءة ما يدور داخل مراكز التفكير وصناعة القرار في إسرائيل، ليس فقط لفهم توجهاتها الراهنة، بل لاستشراف ملامح سياساتها المستقبلية. والأهم هو الإصغاء إلى أصوات أولئك الذين شغلوا مواقع...

واشنطن والعودة إلى اتفاق أوباما مع إيران

ماذا لو انتهت الحرب الأمريكية الإيرانية، بما خلفته من خسائر بشرية واقتصادية واضطراب في أسواق الطاقة والملاحة، إلى اتفاق يشبه في جوهره الاتفاق النووي الذي وقعه باراك أوباما عام 2015، قبل أن ينسحب منه دونالد...

الذاكرة في مواجهة العقل النقدي

منذ أكثر من قرنين، يعيش جانب كبير من المجال العربي والإسلامي حالة دفاع نفسي وثقافي متصلة. تجربة الاستعمار، والانكسار أمام التفوق الغربي، وسقوط الإمبراطوريات، وتمزق المجال السياسي، وقيام إسرائيل، ثم موجات الحروب والتدخلات الأجنبية، كلها...

النخب العربية والصراع على قيادة العربة

ليست المأساة أن بعض أنظمة الحكم العربية ما تزال تعيش خارج عصرها؛ فقد أصبح ذلك وللأسف جزءًا مألوفًا من المشهد العام. المأساة الأعمق أن قطاعًا واسعًا من النخب المثقفة سواء تقيم في المنطقة العربية أو...

الحضارة بين سطوة المادة وقلق الروح

عدت إلى نيويورك بعد غياب أكثر من عقد من الزمن. كانت العودة أشبه بلقاء مدينة أعرفها ولا أعرفها في الوقت نفسه. بدت ملامح المدينة وقد تغيرت في تفاصيل كثيرة، لكنها احتفظت بجوهرها القديم القائم على...

قطر وفرنسا: بناء الشراكة عبر الثقافة والمعرفة

العلاقات بين الدول لا تُقاس فقط بحجم التجارة بينها، ولا بعدد الاتفاقيات التي توقعها، ولا حتى بمستوى التنسيق السياسي والأمني، على أهمية كل ذلك. فالعلاقات الأكثر رسوخًا هي تلك التي تتجاوز المصالح الآنية إلى بناء...

حين يعيد الفن صياغة السردية الأوروبية

ثمة لحظة في المتاحف الكبرى تتجاوز فيها اللوحة إطارها، ويتحوّل فيها الفن إلى سؤال يربك ما نظن أننا نعرفه. هذا ما شعرت به وأنا أبتعد قليلًا عن مباني الأمم المتحدة ومؤسساتها وزحام اجتماعاتها، على هامش...

قطر في الأمم المتحدة.. نحو أمن إقليمي جديد

جاء خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تشهد فيها منطقة الخليج تحولات عميقة أعادت طرح...

منتدى قطر الاقتصادي: الاقتصاد في زمن الزلازل الجيوسياسية

لم يعد الاقتصاد العالمي يتحرك في فضاء منفصل عن السياسة، ولم تعد الأسواق قادرة على التعامل مع الحروب والتوترات الجيوسياسية باعتبارها أحداثًا عابرة يمكن احتواء آثارها في أسعار النفط أو مؤشرات الأسهم. وهذه، في تقديري،...